كتب: عبد الرحمن سيد
لم تعد السعودية تقرأ من زاوية النفط وحده، بل أصبحت قصة تحول تروى بلغة التنوع والاستدامة خلال سنوات قليلة، أعادت المملكة تشكيل ملامح اقتصادها، منتقلة من الاعتماد شبه الكامل على العوائد النفطية إلى نموذج أكثر مرونة وتوازناً، تقوده مستهدفات «رؤية 2030» التي أطلقها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.
ومع تقدم هذه الرؤية، تدخل المملكة مرحلة أكثر نضجاً في مسارها التحولي، حيث لم يعد التركيز مقتصراً على تنفيذ الإصلاحات، بل امتد إلى ترسيخ نتائجها وتعزيز استدامة النمو وأسهمت الإصلاحات الاقتصادية والهيكلية في بناء قاعدة اقتصادية أكثر صلابة، قادرة على التكيف مع المتغيرات العالمية.
رؤية التنوع والاستدامة
ويعكس التقرير السنوي لعام 2025 هذا التحول بوضوح، إذ يبرز نجاح المملكة في تأسيس اقتصاد متنوع، مدفوع بنمو القطاعات غير النفطية واتساع نطاق الإنتاج والاستثمار ولم يكن هذا التحول عفوياً، بل جاء نتيجة تنفيذ أكثر من ألف إصلاح تشريعي أسهمت في تطوير بيئة الأعمال وتعزيز جاذبية السوق السعودية، ما وضعها في مصاف الاقتصادات الأسرع نمواً عالمياً.
ولي العهد السعودي: «رؤية 2030» تدخل ذروة التنفيذ
وأكد ولي العهد السعودي، رئيس مجلس الوزراء، رئيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، الأمير محمد بن سلمان، أن «رؤية 2030» أحدثت نقلة نوعية في مسيرة تنمية المملكة، بما حققته من تحول شامل وملموس في الجوانب الاقتصادية والخدمية والبنية التحتية واللوجستية، إلى جانب جوانب الحياة الاجتماعية.
وأوضح أن الرؤية دخلت في عام 2026 مرحلتها الثالثة والأخيرة، التي تمتد حتى عام 2030، مع الحفاظ على التركيز على الأهداف طويلة المدى وتكييف أساليب التنفيذ وفق متطلبات المرحلة، بما يدعم استدامة التقدم ويعزز ازدهار المملكة.
وشدد ولي العهد على أن الاستثمار الأهم في «رؤية 2030» كان ولا يزال في أبناء وبنات الوطن، من خلال تأهيلهم ورفع كفاءتهم وتعزيز قدرتهم التنافسية عالمياً، موجهاً الجهات الحكومية بمواصلة العمل واستثمار الفرص بما يخدم الوطن والمواطن والاقتصاد الوطني.
وقد رسمت «رؤية 2030» خريطة طريق طموحة لتطوير قطاعات استراتيجية، تشمل الطيران والسياحة والخدمات اللوجستية والصناعة والتعدين، لتصبح هذه القطاعات أعمدة الاقتصاد الجديد، مدعومة بمشروعات كبرى واستثمارات ضخمة.
وبرزت الأنشطة غير النفطية بوصفها المحرك الرئيس للنمو الاقتصادي، حيث عززت من تنافسية المملكة إقليمياً ودولياً، مدعومة بتوسع قطاعات واعدة مثل السياحة والترفيه والصناعة والنقل. وانعكس ذلك في تحقيق أرقام قياسية، إذ بلغت مساهمة هذه الأنشطة في عام 2024 نحو 2.6 تريليون ريال، بنمو قدره 6%.
تحول جذري في بنية الاقتصاد السعودي
ويرى خبراء أن مخرجات «رؤية 2030» كشفت عن تحول جذري في بنية الاقتصاد السعودي، مع تراجع الاعتماد على النفط مقابل صعود القطاعات غير النفطية، ما أسهم في تقليل تأثر الاقتصاد بتقلبات أسعار النفط وتعزيز استقراره على المدى الطويل.
كما لعبت الإصلاحات المؤسسية والتنظيمية، وتطوير الأسواق المالية، وتحسين بيئة الأعمال، وزيادة مشاركة القوى العاملة، دوراً محورياً في جذب الاستثمارات الأجنبية وتدفق رؤوس الأموال، ما دعم مسار التنويع الاقتصادي وغير النظرة الاستثمارية إلى المملكة باعتبارها اقتصاداً متعدد الفرص.
الموارد النفطية مصدراً مهماً لتمويل التنمية
ولا تزال رحلة التنويع مستمرة، رغم هذا التقدم، حيث ستظل الموارد النفطية مصدراً مهماً لتمويل التنمية، في وقت تركز فيه المرحلة المقبلة على رفع الإنتاجية وتحسين الكفاءة وضمان استدامة القطاعات الناشئة بعيداً عن الدعم الحكومي، لتكون جودة التنويع هي المعيار الحقيقي للنجاح.
وتتجسد ملامح الاقتصاد الجديد في النمو المتسارع للقطاعات غير النفطية، وتزايد الاستثمارات، والتطور المستمر في البنية التحتية، إلى جانب دعم الابتكار وتعزيز دور القطاع الخاص كمحرك رئيسي للنمو المستدام.
ولا يقتصر التحول على المؤشرات الاقتصادية، بل يمتد إلى إعادة تشكيل المشهد العمراني من خلال مشروعات كبرى تقدم مفاهيم مبتكرة في التصميم والاستدامة، وتسهم في خلق بيئات حضرية متكاملة، وجذب الاستثمارات، وبناء قيمة اقتصادية طويلة الأمد، في المحصلة لا تكتفي السعودية بإعادة توزيع مواردها، بل تعيد تعريف نموذجها الاقتصادي بالكامل، واضعة نفسها على مسار جديد عنوانه التنوع، ومحوره الابتكار، وهدفه الاستدامة.








